تراجع صادم في إنتاج زيت الزيتون بغزة: الحرب تدمر الأشجار وتُغلي الزيت


هذا الخبر بعنوان "نحن نحترم خصوصيتك" نشر أولاً على موقع يورونيوز عربية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 27 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في معصرة الزوايدة الحديثة بقطاع غزة، لم يعد المزارعون بحاجة لحجز مواعيد مسبقة لعصر محصولهم من الزيتون. فالمعصرة التي كانت تعمل على مدار الساعة في ذروة الموسم، باتت تقتصر ساعات عملها على ست ساعات فقط، مما يسمح للمزارع باستلام زيت محصوله في اليوم نفسه. هذا التغيير لا يعكس زيادة في القدرة الإنتاجية، بل هو نتيجة مباشرة لتناقص كميات الزيتون الواصلة إلى المعاصر بعد ثلاث سنوات من الحرب.
يقول باسم أبو زايد، صاحب المعصرة، إن الكميات التي يعصرها هذا الموسم لا تتجاوز 7 إلى 8% من حجمها قبل الحرب. ويشير إلى أن بعض المزارعين يفضلون تخصيص جزء أكبر من ثمار الزيتون للتخليل بدلاً من عصرها، وذلك بسبب ارتفاع أسعار الوقود وقطع الغيار وأجور العمال، بالإضافة إلى تراجع القدرة على استخدام المعدات التي كانت توفر الوقت والجهد سابقًا.
لا تقتصر الخسائر على المعاصر وحدها. فوفقًا لتقديرات جمعية الإغاثة الزراعية، نقلتها وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، انخفض المحصول المتوقع إلى حوالي 3500 طن من الثمار، مقارنة بأكثر من 38 ألف طن قبل الحرب. وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار تنكة زيت الزيتون (سعة 16 لترًا) من حوالي 400 شيقل (129 دولارًا) إلى 1500 شيقل (أكثر من 482 دولارًا).
تدمير الأشجار وتناقص المحصول:
قبل السابع من أكتوبر 2023، كانت أشجار الزيتون في غزة تغطي حوالي 44,850 دونمًا، وفقًا لبيانات الإغاثة الزراعية. لكن القصف والتجريف ألحقا الضرر بنحو 89% من هذه المساحة، حيث لم يسلم سوى حوالي خمسة آلاف دونم. وتقدر البيانات تلف ما يقرب من 1.4 مليون شجرة زيتون. وتشير تقديرات أخرى لوزارة الزراعة في غزة في سبتمبر/أيلول 2026 إلى انخفاض عدد الأشجار من حوالي مليوني شجرة إلى 150 ألفًا فقط.
تتباين التقديرات حول عدد الأشجار المتضررة والمتبقية، لكنها تتفق جميعًا على حجم الخسائر الهائل. كانت وزارة الزراعة قد توقعت إنتاج حوالي خمسة آلاف طن في موسم 2026، قبل أن تشير تقديرات أحدث إلى 3500 طن، منها 2300 طن للعصر و1200 طن للتخليل. وبنسبة استخراج متوقعة تبلغ 15%، قد لا يتجاوز إنتاج الزيت 345 طنًا، وهي أرقام أولية قد تتغير.
في مخيم النصيرات، يواجه المزارع محمد الهور نفس الانخفاض في محصول أشجاره الخمسة عشر. فقبل الحرب، كان يحصد ما بين 700 و800 كيلوغرام من الزيتون، يستخرج منها ما يكفي لـ 13 إلى 14 تنكة زيت. في السنة الأولى للحرب، انخفض الإنتاج إلى سبع تنكات، وفي العام الماضي لم تنتج أشجاره أي زيت بسبب تدهور الموسم الزراعي. هذا العام، لم يحصد سوى حوالي 300 كيلوغرام، أي أقل من نصف محصوله المعتاد.
يعزو الهور هذا التراجع إلى نقص المياه وصعوبة العناية بالأشجار في ظل الظروف الراهنة. ورغم أمله في استعادة الأشجار لإنتاجيتها، فإن بقاءها وحده لا يعوض سنوات تراجع المحصول.
المعاصر تعمل بأقل طاقتها:
تكشف بيانات الأمم المتحدة عن اتساع المشكلة الزراعية، حيث أعلنت منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" أن 3% فقط من الأراضي الزراعية في غزة كانت غير متضررة ويمكن الوصول إليها حتى 24 يونيو/حزيران 2026. ويعاني المزارعون من نقص الأسمدة ومعدات الري والوقود، بالإضافة إلى القيود على الوصول إلى الأراضي، مما يحد من قدرتهم على استعادة الإنتاج.
قبل الحرب، كانت المعاصر تستقبل الزيتون من مناطق متعددة وتوفر فرص عمل في مختلف مراحل الإنتاج. أما الآن، فحتى المنشآت التي لم تدمر بالكامل لا تستطيع العودة إلى نشاطها الطبيعي. وبحسب رئيس لجنة معاصر الزيتون في غزة، شاهر الريفي، انخفض عدد المعاصر القابلة للتشغيل من 39 معصرة في عام 2022 إلى ثماني معاصر في سبتمبر/أيلول 2026. كما تراجع عدد خطوط العصر من 68 إلى 15 خطًا، والقدرة الإنتاجية الإجمالية من 150 طنًا إلى 25 طنًا في الساعة.
يصف باسم أبو زايد التغيير في معصرته: "في المواسم السابقة كانت تعمل 24 ساعة، ويُمنح الزبائن مواعيد بعد ثلاثة أو أربعة أيام، بينما تكتفي اليوم بخط واحد يعمل نحو ست ساعات في ذروة الموسم". ويضيف أن المشكلة لا تقتصر على قلة الثمار، بل تشمل أيضًا ارتفاع تكلفة السولار وزيوت المحركات وقطع الغيار والعمالة. واضطر العاملون إلى العودة لبعض خطوط المناولة اليدوية بسبب نقص الأدوات.
يشرح الريفي أعباء التشغيل، حيث يحتاج أحد المولدات إلى حوالي 20 لترًا من السولار كل ساعة، بالإضافة إلى زيوت المحركات والصيانة الدورية، مما يجعل استمرار العمل مكلفًا.
في معصرة البركة بالنصيرات، يؤكد صاحبها إبراهيم مقداد أن حجم العصر أصبح أقل من 10% مما كان عليه قبل الحرب. ويشير إلى نقص واضح في سوق الزيت والزيتون، الذي كان يستقبل سابقًا زيتونًا من الضفة الغربية.
يزيد ارتفاع تكلفة التشغيل من صعوبة الحفاظ على المعاصر المتبقية. فوفقًا لتقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يعرقل تضرر البساتين ونقص الوقود وقطع الغيار عمليات القطاف والعصر. ورغم دعم جهات إنسانية لبعض المعاصر، إلا أن هذا الدعم لا يعوض فقدان معظم المحصول.
الزيت أغلى والاحتياجات أكبر:
تتجلى آثار انهيار الموسم في ارتفاع أسعار الزيتون والزيت. يقول محمد الهور إن تنكة زيت الزيتون كانت تباع قبل الحرب بحوالي 400 شيقل (129 دولارًا)، وترتفع اليوم إلى 1400-1500 شيقل (450-483 دولارًا). ويؤكد إبراهيم مقداد أن السعر ارتفع من 400 شيقل إلى 1500 شيقل، بزيادة تبلغ 275%.
بلغ سعر كيلوغرام الزيتون حوالي 15 شيقلًا (4.8 دولار) وفقًا لوكالة "وفا"، مقارنة بنحو خمسة شواقل (1.61 دولار) قبل الحرب. يعكس هذا الارتفاع تقلص المعروض المحلي وصعوبة تعويضه، بالإضافة إلى زيادة تكاليف الإنتاج.
لكن هذه الزيادات لا تعني تحسن دخل المزارعين، إذ انخفضت كميات ما يجنونه بينما ازدادت نفقاتهم. ويرى مقداد أن سعر تنكة الزيت البالغ 1500 شيقل لا يبدو مرتفعًا مقارنة بندرة المحصول وكلفة إنتاجه، رغم أنه مبلغ كبير للمستهلك.
بالنسبة لأصحاب المعاصر، فإن تراجع الكميات يعني انخفاض الإيرادات مع بقاء تكاليف التشغيل قائمة.
يحتاج قطاع غزة سنويًا إلى حوالي 4400 طن من زيت الزيتون. وإذا تحقق توقع الإنتاج المحلي البالغ 345 طنًا هذا الموسم، فلن يغطي سوى حوالي 8% من الاحتياج السنوي. ويعتمد سدّ الفجوة على توفر الزيت المستورد وعلى قدرة السكان على شرائه، في ظل ضعف القدرة الشرائية الذي ترصده الأمم المتحدة، حيث يعتمد تسعة من كل عشرة أشخاص على المساعدات الغذائية.
تتطلب استعادة الموسم الزراعي تمكين المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وإصلاح شبكات الري، وتوفير مستلزمات الزراعة والوقود وقطع الغيار. وإلى أن تتغير هذه الظروف، سيظل المزارعون ينتظرون عودة أشجارهم لإنتاجيتها، فيما تواصل المعاصر العمل لساعات قليلة بعدما كانت تعمل ليلًا ونهارًا.
اقتصاد
اقتصاد
عاجل
اقتصاد