اخبار العالم
سياسة

تحديات الحكومة المغربية الجديدة: من إقالة الوزيرة إلى برنامج الإصلاح الطموح

الجزيرة21 أكتوبر 2026 في 06:38 م0 مشاهدة
تحديات الحكومة المغربية الجديدة: من إقالة الوزيرة إلى برنامج الإصلاح الطموح

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ليس آخرها إقالة "خيير".. اجتياز هذه التحديات المحك الحقيقي لنجاح الحكومة المغربية" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 21 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بدأت الحكومة المغربية الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، ولايتها الممتدة بين عامي 2026 و2031، في ظل مناخ سياسي يتسم بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، وتزايد تطلعات الشباب، بالإضافة إلى تحديات جوهرية تتمثل في معالجة اختلالات الحماية الاجتماعية، واستعادة الثقة في المؤسسات، وتعزيز فعالية السياسات العمومية. كل ذلك يحدث في ظرفية دولية تتسم بالتعقيد والتقلب وعدم اليقين.

يمكن استقراء الظروف الأولية لتشكيل الحكومة الجديدة من خلال أربعة محاور رئيسية مترابطة: الإعفاء المبكر لوزيرة منتدبة بعد أقل من 48 ساعة على تعيينها، وطبيعة التوازنات الحزبية داخل الأغلبية الحكومية، والخيارات التي يتضمنها البرنامج الحكومي، وأخيراً التحديات والفرص التي ستحدد قدرة الحكومة على ترجمة وعودها إلى واقع ملموس.

الإعفاء السريع للوزيرة مديحة خيير: تدبير استباقي للمخاطر

أثار إعفاء الوزيرة مديحة خيير، بعد أقل من 48 ساعة على تعيينها، اهتماماً سياسياً وإعلامياً لافتاً. جاء هذا القرار عقب تداول معلومات إعلامية حول إدانة سابقة مرتبطة بها، وانتهى بقبول الملك لطلب رئيسة الحكومة إعفاءها، وفقاً للمقتضيات الدستورية المنظمة لتعيين وإنهاء مهام أعضاء الحكومة. تكمن أهمية هذا الإعفاء في دلالاته السياسية والمؤسساتية؛ فهو يكشف عن رغبة واضحة في احتواء أزمة محتملة قبل أن تتحول إلى مصدر للتشويش على صورة الحكومة في بدايتها. كما يشير إلى وجود خلل في عملية اختبار أهلية المرشحين، ويثير إشكالية المسؤولية السياسية للحزب الذي اقترحها. يمكن اعتبار هذا القرار مثالاً على التدبير الاستباقي للمخاطر السياسية، حيث فضلت الحكومة احتواء الجدل مبكراً بدلاً من الدخول في مواجهة طويلة مع الرأي العام المتشكل عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، تبرهن هذه الواقعة على أن تكلفة الخطأ في اختيار المسؤولين قد تكون مرتفعة، خاصة في ظل تزايد المطالب بالنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مما يستدعي مستقبلاً تحسين إجراءات الانتقاء والتحقق قبل التعيين.

هندسة الأغلبية وتوزيع الحقائب: منطق التوازنات ومراكز النفوذ

تستند الحكومة الجديدة، التي تضم 32 وزيراً ووزيراً منتدباً، إلى أغلبية برلمانية مكونة من أربعة أحزاب: الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية. يوفر هذا التحالف قاعدة عددية مريحة نسبياً في مجلس النواب. إلا أن التوزيع الوزاري يكشف عن تفاوت في طبيعة الحضور القطاعي ومراكز التأثير. يبدو حزب الأصالة والمعاصرة في موقع مركزي، بالنظر إلى طبيعة القطاعات التي أسندت إليه، بما في ذلك المالية والعدل والعديد من القطاعات المرتبطة بالسياسات الاجتماعية، الشباب، المرأة والأسرة، الثقافة، التعليم العالي، السكنى والتعمير، والعلاقات مع البرلمان، بالإضافة إلى رئاسة مجلس النواب. هذا يمنحه حضوراً يتجاوز عدد الحقائب إلى امتلاك مواقع مؤثرة في توجيه السياسات العمومية.

أما حزب الاستقلال، فيبدو أن مشاركته تحافظ على قدر من الاستمرارية في موقعه داخل الخريطة الحكومية، دون أن تعكس تحولاً كبيراً في موازين القوة لصالحه. بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فإن مشاركته تثير تساؤلات حول طبيعة وظيفته السياسية داخل الحكومة، خاصة وأنه الحزب الوحيد الذي لم يشارك رئيسه في الحكومة. تبدو مشاركته أقرب إلى استكمال التوازن الحزبي للأغلبية وتوسيع قاعدتها السياسية. كما أن طبيعة القطاعات المسندة إليه تطرح سؤالاً حول مدى قدرة الحزب على تحويل مشاركته إلى تأثير ملموس في السياسات والقرارات، خصوصاً وأن جميع وزرائه منتدبون لدى وزراء آخرين، باستثناء وزير الصحة الذي لا ينتمي للحزب أصلاً، ولكنه شخصية تقنوقراطية استوزرت باسم الحزب.

في المقابل، يتيح وجود حزب التقدم والاشتراكية في الحكومة فرصة لاستثمار رصيده السياسي والاجتماعي، خاصة في القضايا التي تتطلب الحوار مع النقابات والفاعلين التربويين والاجتماعيين. ويكتسب إسناد قطاع التربية الوطنية إلى نبيل بنعبد الله أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى مركزية الإصلاح التعليمي وحساسية العلاقة بين الوزارة والفاعلين داخل المنظومة التربوية. من جهة أخرى، يبرز تعيين حسن طارق أميناً عاماً للحكومة كاختيار يستحق الانتباه، نظراً لأهمية هذه المؤسسة في التنسيق القانوني والإداري للعمل الحكومي وضمان انسجام النصوص والقرارات. إلا أن الأهمية الحقيقية لهذا التعيين ستتحدد من خلال طبيعة الأدوار التي ستضطلع بها الأمانة العامة، ومدى مساهمتها في تطوير السياسة التشريعية وتجويدها. لا ينبغي اختزال هندسة الحكومة في عدد الحقائب التي حصل عليها كل حزب، بل يتعين تحليلها من خلال ثلاثة عناصر: مواقع القرار، والقدرة على التأثير في الأولويات الحكومية، ومدى امتلاك كل مكون حزبي هامشاً فعلياً للدفاع عن برنامجه داخل الأغلبية.

رهان الحكومة على التواصل: استيعاب هاجس الحذر من المعارضة

من المؤشرات اللافتة في التشكيلة الجديدة هو الرهان على شخصيات تمتلك حضوراً إعلامياً أو قدرة على التواصل السياسي، سواء من خلال خبرتها التدبيرية أو خطابها العمومي أو انتمائها لأجيال سياسية أكثر استعداداً للتفاعل مع النقاش العام. يبدو هذا الاختيار مفهوماً باستحضار تجربة الحكومة السابقة التي فشلت في التواصل السياسي مقارنة بخطاب المعارضة، وذلك في سياق تتسع فيه الفجوة بين المؤسسات والمواطنين، وتتزايد فيه أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الانطباعات السياسية وتوجيه النقاش العمومي. فالحكومة لا تحتاج فقط إلى مسؤولين قادرين على تدبير القطاعات، بل تحتاج أيضاً إلى شخصيات تستطيع تفسير القرارات، والدفاع عن الاختيارات، والإنصات إلى الانتقادات، وتقديم حصيلة قابلة للنقاش والتقييم.

يمكن قراءة هذا الرهان أيضاً في ضوء وجود معارضة يقودها حزب العدالة والتنمية، الذي راكم تجربة في التواصل السياسي والتعبئة الحزبية بقيادة أمينه العام ورئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران. فضلاً عن استمرار النقاش بشأن عدد من الملفات ذات الحساسية الاجتماعية والثقافية، مثل إصلاح مدونة الأسرة، وقضايا الشباب، والحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية، والقدرة الشرائية للمواطنين.

البرنامج الحكومي: بين طموح الإصلاح وإكراهات التنفيذ

قدمت الحكومة برنامجها للفترة 2026-2031، متضمناً أولويات تتعلق بالنمو الاقتصادي، وتقوية الدولة الاجتماعية، والتشغيل، ومحاربة الفساد، وتحسين الخدمات العمومية، وتطوير الاستثمار. من بين الأهداف المعلنة تحقيق معدل نمو متوسط في حدود 5% خلال الفترة 2027-2031، وحصر عجز الميزانية دون 3%، واستقرار التضخم في حدود 2%، إلى جانب إجراءات مرتبطة بتجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.

يتوزع البرنامج الحكومي على سبع أولويات، تشمل توطيد دولة الحق والقانون، ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية وتماسك المجتمع، وضمان العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتأمين السيادة الاستراتيجية وتعزيز الإشعاع الدولي للمغرب، وبناء اقتصاد قادر على تمويل هذه الطموحات. يمثل الالتزام بمحاربة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح اختباراً أساسياً لمصداقية الحكومة، خصوصاً أن مكافحة الفساد لا تقتصر على إقرار القوانين، بل تشمل أيضاً فاعلية تطبيقها، واستقلال آليات المراقبة، وضمان تكافؤ الفرص. وستكون المصداقية مرهونة بالانتقال من إعلان النوايا إلى إجراءات واضحة ونتائج قابلة للقياس.

يظل تحسين الولوج إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية من أبرز انتظارات المواطنين. غير أن توسيع التغطية الاجتماعية لا يضمن وحده جودة الخدمات، ما لم يصاحبه إصلاح للمؤسسات، وتحسين للتدبير، وتوفير للموارد البشرية والمالية، وتقليص للفوارق المجالية في الولوج إلى المرافق العمومية. ويشكل خلق فرص الشغل أحد أهم معايير الحكم على نجاح الحكومة؛ ولا يكفي في هذا المجال إعلان أهداف النمو، بل يتعين توضيح كيفية تحويل الاستثمار إلى وظائف مستقرة، وتحسين الانتقال من التعليم إلى سوق العمل، وتوسيع فرص المبادرة الاقتصادية، خصوصاً لدى الشباب.

تفرض الأوضاع المالية للصناديق الاجتماعية، ولا سيما أنظمة التقاعد، إصلاحات يصعب تأجيلها. لكن هذه الإصلاحات تحتاج إلى مقاربة تشاركية توزع الأعباء بصورة منصفة، وتحمي الحقوق المكتسبة، وتراعي الفوارق بين الفئات المهنية والاجتماعية. كما أن ضبط عجز الميزانية ينبغي ألا يتحول إلى هدف منفصل عن تحسين جودة الخدمات العمومية.

التحديات والفرص: أي حصيلة ممكنة في أفق 2031؟

تواجه الحكومة الجديدة تحديات معقدة، يتقدمها ضعف الثقة في العمل السياسي، واستمرار الانتظارات الاجتماعية، وضغط التشغيل، وإصلاح أنظمة التقاعد، وتحسين خدمات الصحة والتعليم. كما أن الشباب لا ينتظرون فقط برامج اجتماعية أو فرصاً اقتصادية، بل يتطلعون أيضاً إلى مؤسسات أكثر إنصاتاً، وشعور ملموس بأن المشاركة السياسية قادرة على التأثير في القرارات.

أحد الاختبارات المركزية للحكومة يتمثل في قدرتها على تحويل الاستقرار العددي للأغلبية إلى فاعلية سياسية وتدبيرية. فقد تكون الحكومة قوية من حيث عدد المقاعد، لكنها تواجه صعوبات إذا غاب الانسجام بين مكوناتها، أو طغت الحسابات الحزبية على المصلحة العامة، أو لم تتمكن من بناء علاقة منتظمة مع المعارضة والنقابات والفاعلين المدنيين والشباب.

تتوفر أمام حكومة المنصوري فرص مهمة؛ فاستعداد المغرب لاحتضان كأس العالم 2030 يمكن أن يشكل رافعة لتطوير البنيات التحتية والنقل والخدمات والاستثمار، شريطة ألا تستفيد منه الشركات الكبرى فقط، بل ينبغي أن يمتد أثره إلى المقاولات المتوسطة والصغرى بما يسهم في خلق فرص الشغل وتحسين شروط العيش وتطوير الاقتصاد المحلي. كما يمكن للبرنامج الذي أطلقه الملك والمتعلق بتقليص الفوارق المجالية بميزانية 220 مليار درهم على مدى ثماني سنوات أن يمثل رافعة مهمة للإصلاحات الترابية ومعالجة إشكالات التنمية في المناطق القروية والجبلية المهمشة.

يظل التحدي الأكبر هو بناء قدرة الحكومة على تجديد الثقة في المؤسسات عبر الإنجازات السريعة من جهة، وعبر النجاح في امتحان النزاهة والشفافية من جهة أخرى. وهذا ما سيحدد القيمة السياسية الحقيقية لهذه التجربة؛ فليست العبرة بما أعلنته في بدايتها، بل بما ستنجح في تحقيقه مع نهاية ولايتها. ويظل نجاح هذه الفرص مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين الموارد المالية والنفقات الاجتماعية، وبين سرعة الإنجاز وجودة التدبير، وبين الطموح الاقتصادي ومتطلبات العدالة المجالية، بالموازاة مع إرسال إشارات قوية في مجال محاربة الفساد وتحصين الوزراء وكبار المسؤولين من الوقوع في شبهة تضارب المصالح. كما أن مواجهة التحديات المناخية وتقلبات الإنتاج الفلاحي تستدعي سياسات استباقية، لأن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن أن يبقى رهين الظروف الطبيعية وحدها.

في الختام، تواجه الحكومة المغربية الجديدة ظرفية صعبة تتداخل فيها رهانات الإصلاح مع تحديات الثقة السياسية. ورغم توفرها على أغلبية برلمانية مريحة نسبياً، فإن تعدد الأحزاب واختلاف مواقعها وطموحاتها يفرض قدراً كبيراً من الانسجام والتضامن. وقد أظهر الإعفاء السريع للوزيرة مديحة خيير استعداداً لاحتواء المخاطر السياسية، فيما كشفت هندسة الحكومة عن تمركز مهم لبعض مكونات الأغلبية داخل قطاعات استراتيجية، وعن رهان واضح على التواصل السياسي. إلا أن هذه المؤشرات تظل أولية، ولا تسمح وحدها بالحكم على مستقبل التجربة الحكومية. فالمعيار الحاسم سيكون هو قدرتها على تحويل البرنامج إلى سياسات عمومية فعالة، وتقديم نتائج ملموسة في التشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، ومواجهة الفساد وتضارب المصالح، وتقليص الفوارق المجالية.

شارك الخبر: