اخبار العالم
اقتصاد

من أزمات مانشستر يونايتد إلى ثروات نجومه السابقين: قصة

الجزيرة14 أكتوبر 2026 في 11:18 م0 مشاهدة
من أزمات مانشستر يونايتد إلى ثروات نجومه السابقين: قصة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "اقتصاد البؤس.. كيف صنع نجوم مانشستر يونايتد ثرواتهم من أزماته؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 14 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ديسمبر/كانون الأول 2013، وصل الشاب البريطاني أوليفر كيرني إلى مدينة ديترويت الأمريكية برفقة والده، بعدما أقنعه بالسفر لمشاهدة المصانع المهجورة والمباني التي تركها أصحابها إثر انهيار الصناعة التي بنت مجد المدينة لعقود طويلة. كان كيرني، البالغ من العمر 18 عامًا، يتنقل بين مبانٍ غطت الكتابات جدرانها، ومدارس خلت من التلاميذ، ومحطة قطارات توقف العمل فيها منذ سنوات. ولم يتردد في الزحف على ركبتيه للدخول من فتحات المباني الضيقة، بحثًا عن صور من داخل المصانع التي كانت تجسد مجد المدينة يومًا ما. التقط الشاب ألفي صورة خلال يومه الأول، وقال لصحيفة "لوس أنجلوس تايمز" إن مشاهدة آثار انهيار مدينة بهذا الحجم تجربة قد لا تتكرر في حياته. المثير للدهشة هو أن كيرني لم يكن السائح الوحيد الذي جاء إلى ديترويت لهذا الغرض، فقد ازداد الإقبال على جولات مشاهدة المباني المهجورة، حتى اضطر المرشدون السياحيون إلى شراء حافلات لاستيعاب الزوار.

قبل 5 أشهر من زيارة كيرني لها، وتحديدًا في 18 يوليو/تموز 2013، أعلنت ديترويت إفلاسها، بعد عقود من التراجع الصناعي وهجرة السكان وتراكم الديون. وبينما كان أهل المدينة يواجهون مخاطر وتداعيات فقدان الوظائف وتدهور الخدمات، وجد مصورون ومرشدون سياحيون فرصة تجارية في توثيق آثار تلك الأزمة وتسليعها وبيعها. أثارت هذه الظاهرة غضب بعض السكان الذين رأوا في تحويل المباني المهجورة إلى وجهة سياحية استغلالًا لمعاناتهم، وظهر تعبير "التلذذ بمشاهدة الخراب"، لوصف الإقبال على تصوير الأماكن المتداعية دون الاهتمام بحياة سكانها وأسباب تدهورها.

في العام نفسه، ولكن على بعد آلاف الكيلومترات من ديترويت، كانت جماهير مانشستر يونايتد تودع أليكس فيرغسون، المدرب الذي قاد الفريق لأكثر من 26 عامًا، وتركها متوجة بلقب الدوري الإنجليزي للمرة العشرين في تاريخه. إعلان في 12 مايو/أيار 2013 كان الوداع، احتشد نحو 75 ألف مشجع في ملعب أولد ترافورد لمشاهدة مباراة فيرغسون الأخيرة أمام جماهير النادي. فاز يونايتد على سوانزي سيتي بهدف متأخر سجله ريو فرديناند، قبل أن يتسلم اللاعبون كأس البطولة ويودعوا الرجل الذي ارتبط اسمه بأكثر فترات النادي نجاحًا. لم تكن لدى الجماهير يومها أسباب كثيرة للقلق بشأن المستقبل، فقد اعتاد يونايتد المنافسة على الألقاب، لكن السنوات التالية حملت ما لا يتوقعه أشد جماهير "الشياطين الحمر" تشاؤمًا؛ تعاقب المدربون من مختلف المشارب على النادي وعُقدت صفقات باهظة وأُنفق مئات الملايين دون أن يعود لقب الدوري الإنجليزي إلى أولد ترافورد.

لافتة "شكرا لك سير أليكس" في ملعب أولد ترافورد في مباراة فيرغسون الأخيرة (غيتي) ومع كل موسم جديد، أصبح غضب المشجعين أكثر حضورًا في البرامج التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي. غير أن ما كان يمثل مصدر إحباط متواصل للجماهير، وفر في المقابل مادة ساعدت على صعود عدد من أبرز نجوم النادي السابقين في مجال الإعلام، وتحول بعضهم من محللين للمباريات إلى أصحاب مؤسسات تستقطب المستثمرين والرعاة.

بعد 13 عامًا من مشهد وداع فيرغسون، كان مشهد آخر يكشف إلى أي مدى وصل الغضب والإحباط داخل مانشستر يونايتد. مارتينيز ينفجر.. والغضب ينتقل من الملعب إلى الشاشات بعد خسارة مانشستر يونايتد أمام أتلتيكو مدريد بهدفين دون رد في دوري أبطال أوروبا، مساء الثلاثاء الماضي، وقف المدافع الأرجنتيني ليساندرو مارتينيز أمام كاميرات "برايم فيديو" و"سي بي إس"، وهو يحاول السيطرة على غضبه. "يجب أن أسيطر على نفسي كثيرًا"، بها افتتح مارتينيز حديثه، قبل أن يصف أداء فريقه بأنه "سيئ للغاية"، معتبرًا أن الهزيمة تعكس الوضع الذي وصل إليه النادي، ثم وجه انتقاداته إلى الإدارة بعدما شدد على أن مسؤولية التراجع لا يمكن تحميلها للمدربين واللاعبين وحدهم.

قال المدافع الأرجنتيني إنه يتوقع المزيد من المدير التقني جيسون ويلكوكس، مطالبًا بتعزيز الفريق واستثمار الأموال اللازمة للمنافسة، قبل أن يتساءل عن جدوى تغيير المدربين باستمرار دون معالجة المشكلات الأخرى. ولم يكن غضب مارتينيز منفصلًا عن نتائج الفريق، فقد دخل يونايتد المواجهة بعدما حقق انتصارين فقط منذ بداية الموسم، مسجلًا أسوأ انطلاقة له في الدوري الإنجليزي منذ 40 عامًا، وسط ضغوط متزايدة على مدربه مايكل كاريك. وبالنسبة إلى جمهور النادي، لم تحمل الانتقادات جديدًا يذكر، فقد تكررت شكاوى مشابهة خلال سنوات تعاقب فيها ديفيد مويس ولويس فان غال وجوزيه مورينيو وأولي غونار سولشاير وإريك تن هاغ وروبن أموريم، وغيرهم من المدربين الذين حاولوا إعادة الفريق إلى المنافسة على لقب الدوري.

لكن تصريحات مارتينيز حملت في الوقت نفسه كل ما تحتاج إليه البرامج الرياضية لصناعة حلقة مثيرة، إذ تضمنت هجومًا مباشرًا على الإدارة ومطالبات بالتغيير وتساؤلات بشأن قدرة المدرب واللاعبين على تحسين النتائج. وهذه الموضوعات هي نفسها التي أصبحت تتكرر في برامج يقدمها غاري نيفيل وروي كين وبول سكولز وريو فرديناند وواين روني، الذين انتقلوا من تحقيق الألقاب مع مانشستر يونايتد إلى تحقيق الأرباح عبر تحليل أزماته وانتقاد القرارات التي ساهمت في تراجعه.

وهذا ما أكدته مجلة "فور فور تو" البريطانية التي نشرت تحليلًا وصف فيه هذه الظاهرة بأنها "اقتصاد"، مشيرًا إلى أن النتائج التي تثير استياء الجماهير أصبحت مصدرًا متجددًا للمحتوى الذي يجذب المشاهدين. واستشهد الكاتب بما حدث بعد تعادل يونايتد مع فولهام، عندما انتقد نيفيل ولويس ساها وآشلي يونغ أداء الفريق عبر شبكة "سكاي سبورتس"، بينما انتشرت مقاطع تطالب بإقالة كاريك، وظهرت على يوتيوب عناوين تصف الفريق بأنه "مثير للشفقة" و"يحتاج إلى إنقاذ" وغيرها من الأوصاف والتعبيرات.

اللافت أن الظاهرة قديمة، فبعض المقاطع الأكثر مشاهدة في تاريخ قناة "سكاي سبورتس بريميرليغ" على يوتيوب تضمنت انتقادات لغاري نيفيل لعائلة غليزر، مالكة النادي سابقًا، وحديثه عن خيبة أمله عقب هزيمة يونايتد أمام أتلتيكو مدريد عام 2022. لكن هل تحقق مقاطع الغضب مشاهدات أكبر بالفعل؟ وهل تستطيع الهزيمة أن تصبح أكثر قيمة تجارية من الانتصار؟ بدأ البحث عن إجابة لهذه الأسئلة قبل سنوات من صعود شركات نيفيل، وتحديدًا في تجربة مشجع لآرسنال اكتشف أن بعض متابعي قناته ينتظرون خسارة الفريق لمشاهدة ما سيقوله المشجعون الغاضبون.

638 ألف مشاهدة للخسارة.. مقابل 333 ألفًا للفوز في أغسطس/آب 2013، وبعد 3 أشهر من وداع أليكس فيرغسون في مانشستر، خسر أرسنال مباراته الافتتاحية في الدوري الإنجليزي أمام أستون فيلا بنتيجة 3-1 على ملعب الإمارات. وخارج الملعب، كان المشجع الإنجليزي روبي لايل يسجل ردود فعل الجماهير لحساب قناة صغيرة أسسها قبل عام باسم "أرسنال فان تي في"، لإتاحة الفرصة للمشجعين للتعبير عن آرائهم بعيدًا عن استوديوهات التلفزيون والمحللين التقليديين. لم يكن لايل يمتلك سوى كاميرا يستمع من خلالها إلى المشجعين الغاضبين من المدرب أرسين فينغر وإدارة النادي، لكنه اكتشف بعد تلك المباراة أن الغضب يجذب جمهورًا واسعًا. ففي مقابلة مع صحيفة "سيتي إيه إم" عام 2022، استعاد تلك الخسارة قائلًا إن 3 أو 4 مقاطع نشرتها قناته حققت ملايين المشاهدات، رغم أن المشروع لم يكن قد أكمل عامه الأول.

روبي لايل مؤسس قناة "أرسنال فان تي في" (غيتي) ومع تكرار التجربة، تحول بعض المشجعين إلى شخصيات معروفة ينتظر الجمهور انفعالاتها بعد المباريات، ولم يعد المتابعون جميعًا من أنصار آرسنال، إذ وجد مشجعو الأندية المنافسة في المقاطع الغاضبة مادة للتسلية والسخرية. ولم تبق هذه الظاهرة مجرد انطباع، فقد اختبرها الباحثان داميان ريفرز وأندرو روس في دراسة نشرتها مجلة "سبورت إن سوسايتي"، شملت الفيديو الأعلى مشاهدة عقب كل مباراة من 36 مباراة لآرسنال في الدوري الإنجليزي خلال موسم 2018-2019. وأظهرت النتائج أن متوسط المشاهدات بعد الهزائم بلغ 638 ألفًا، مقابل 333 ألفًا عقب الانتصارات و356 ألفًا بعد التعادلات، أي إن مقاطع الخسارة حققت نحو 1.9 ضعف مشاهدات الفوز. كما بلغ متوسط التعليقات 2784 بعد الهزائم، مقابل 1127 عقب الانتصارات. وكشفت التعليقات عن جمهورين مختلفين يجتمعان أمام الفيديو نفسه، أحدهما يضم مشجعي آرسنال الباحثين عمن يشاركهم الإحباط، والآخر يتكون من أنصار الأندية المنافسة الذين يستمتعون بمشاهدة غضبهم.

أظهرت تجربة لايل كيف يمكن تحويل هذا الاهتمام إلى نشاط تجاري. فبحلول عام 2022، كانت قناته تضم نحو 1.45 مليون مشترك، وتجاوزت مشاهداتها التراكمية مليار مشاهدة، بينما توسعت شركته "غلوبال فان نتورك" لتوظف أكثر من 20 شخصًا، بعدما سجلت إيرادات بلغت 1.4 مليون جنيه إسترليني خلال عام 2021. وتأتي هذه الأموال من إعلانات يوتيوب والرعايات والشراكات التجارية، وتتفاوت العائدات الإعلانية بحسب الجمهور وطول الفيديو وطبيعة الإعلانات. وتزداد فرص تحقيق الإيرادات عندما تنتج القناة من مباراة واحدة بثًا مباشرًا وردود فعل ومقاطع قصيرة، ثم حلقات تناقش مستقبل المدرب أو أخطاء اللاعبين والإدارة. أما الجمهور الذي يعود أسبوعًا بعد آخر، فيمنحها قيمة تجارية أكبر من عائدات المشاهدات وحدها، إذ يجذب عقود الرعاية والمستثمرين الراغبين في الاستحواذ على قنوات تمتلك قاعدة جماهيرية مستقرة.

وهكذا، تحول المشروع الذي بدأ بكاميرا خارج ملعب آرسنال إلى شركة بملايين المشاهدات وإيرادات تتجاوز مليون جنيه سنويًا. لكن أحد أبرز نجوم مانشستر يونايتد السابقين، الذي كان ينتقد بشدة هذا النوع من الإعلام، لم يكن يتوقع على الأرجح أن يصبح بعد سنوات مستثمرًا فيه.

غاري نيفيل.. من انتقاد المشجعين إلى الاستثمار في غضبهم في فبراير/شباط 2017، أثارت قناة "آرسنال فان تي في" جدلًا واسعًا عقب خسارة الفريق أمام تشلسي بنتيجة 3-1، بعدما هاجم بعض المشجعين المدرب أرسين فينغر وطالبوا برحيله. وكان غاري نيفيل، قائد مانشستر يونايتد السابق ومحلل شبكة "سكاي سبورتس"، من أبرز المنتقدين لطريقة التعامل مع المدرب الفرنسي، إذ وصف بعض المقاطع بأنها "محرجة"، معتبرًا أن فينغر يستحق قدرًا أكبر من الاحترام بالنظر إلى السنوات التي قضاها في خدمة النادي. ورد روبي لايل بدعوة نيفيل إلى الظهور أمام مشجعي آرسنال لمناقشة اعتراضاته، فقبل الدعوة وجلس معهم في مقابلة شرح خلالها موقفه، واستمع إلى أسباب غضبهم من أداء الفريق. وخلال الحوار، اعترف نيفيل بحق المشجعين في الانتقاد، لكنه تمسك بموقفه الرافض لبعض الأساليب المستخدمة ضد فينغر، مؤكدًا أن وجود رأي مختلف لا يعني إنكار حق الجمهور في التعبير عن رأيه.

كانت تلك المواجهة بين محلل تلفزيوني شهير ومشجعين صنعوا حضورهم على يوتيوب، في وقت كانت فيه القنوات الجماهيرية تواجه انتقادات بشأن اعتمادها على الغضب والمبالغة في مهاجمة اللاعبين والمدربين. وبعد 9 سنوات، تغير موقع نيفيل في هذا العالم. ففي عام 2021، أسس المدافع السابق منصة "ذي أوفرلاب"، التي بدأت بإجراء المقابلات مع الشخصيات الرياضية، قبل أن تتوسع إلى إنتاج برامج جماعية بمشاركة نجوم سابقين، أبرزها "ستيك تو فوتبول". وجمع البرنامج نيفيل بزميله السابق روي كين، إلى جانب جيمي كاراغر وإيان رايت وجيل سكوت، في مناقشات تتناول المباريات والقضايا الرياضية وتجاربهم داخل الأندية والمنتخبات. واستفاد نيفيل وكين من ارتباطهما الطويل بمانشستر يونايتد خلال سنوات نجاحه تحت قيادة فيرغسون، إذ يعرف الجمهور حجم إنجازاتهما ومكانتهما في تاريخ النادي، ولذلك تحظى انتقاداتهما للاعبين والمدربين والإدارة باهتمام واسع. وسلك نجوم سابقون آخرون طرقًا مشابهة، فقد أسس ريو فرديناند منصة إعلامية تقدم المقابلات والبرامج التحليلية، بينما يشارك بول سكولز ونيكي بات في تقديم برامج رياضية، وأصبح واين روني من الوجوه التي تستقطب الاهتمام عند مناقشة أخبار يونايتد. وتختلف أدوار هؤلاء بين امتلاك المنصات وتقديم البرامج أو المشاركة فيها، لكن تجاربهم تظهر كيف تحولت شهرة اللاعبين المعتزلين إلى مصدر قيمة تجارية في سوق الإعلام الرقمي.

ومع نمو "ذي أوفرلاب"، أصبح نيفيل يشارك في إدارة شركة إنتاج وتوزيع، بدلاً من الاكتفاء بالحصول على أجر مقابل الظهور محللًا على شاشة تلفزيونية. وفي يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت مجموعة "غلوبال" الإعلامية الاستحواذ على حصة أغلبية في "ذي أوفرلاب"، التي قالت إنها حققت 2.2 مليار مشاهدة عبر مختلف منصاتها خلال عام 2025، إلى جانب عشرات الملايين من المشاهدات الشهرية على يوتيوب. وتشمل هذه الأرقام جميع برامج الشركة ولا تخص مانشستر يونايتد وحده، لكنها تعكس حجم النشاط الإعلامي الذي استطاعت بناءه حول لاعبين سابقين وشخصيات يعرفها جمهور كرة القدم. وبعد 3 أشهر، أتمت الشركة صفقة جعلت موقف نيفيل القديم من قنوات المشجعين أكثر إثارة للاهتمام، عندما اشترت منصتين أسسهما رجل اشتهر بردود فعله الغاضبة على مباريات مانشستر يونايتد.

مارك غولدبريدج.. من مشجع غاضب إلى صفقة بالملايين في 14 أبريل/نيسان 2026، أعلنت شركة "ذي أوفرلاب"، التي أسسها غاري نيفيل، الاستحواذ على قناتي "ذا يونايتد ستاند" و"ذاتس فوتبول" لمارك غولدبريدج، مقابل مبلغ من سبعة أرقام بالجنيه الإسترليني، وفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي". وبلغ مجموع اشتراكات القناتين نحو 3.72 مليون على يوتيوب، بواقع 2.26 مليون للأولى و1.46 مليون للثانية، إلى جانب حساباتهما على منصات التواصل. وخلافًا لنيفيل الذي صنع شهرته داخل الملاعب، بنى غولدبريدج جماهيريته أمام الشاشة، متابعًا مباريات مانشستر يونايتد في بث مباشر يعلق خلاله على أداء اللاعبين وقرارات المدربين، قبل أن تتحول انفعالاته عقب الأهداف والأخطاء الدفاعية إلى مقاطع قصيرة واسعة الانتشار. ولا ينتهي ظهوره مع صافرة النهاية، إذ يعود لمناقشة أسباب النتيجة ومستقبل الفريق، فيما ينتظر بعض المتابعين رد فعله بقدر اهتمامهم بما حدث في المباراة.

وبعد 10 سنوات من بناء هذه العلاقة مع الجمهور، أصبحت شخصية غولدبريدج نفسها جزءًا من القيمة التجارية لقناتيه، وهو ما يفسر استمراره في تقديم برامجه بعد الاستحواذ. وأكد نيفيل أن الصفقة تخدم خطته لبناء مجتمع إعلامي مستقل يقوم على المحتوى المباشر والشخصيات المعروفة لدى المشجعين، بينما رأى غولدبريدج فيها فرصة لتطوير مشروعه وتوسيع جمهوره. وهكذا، أصبح نيفيل الذي انتقد أسلوب بعض قنوات المشجعين عام 2017 مستثمرًا في إحدى أشهرها، بعدما تحولت الانفعالات التي ساعدت على انتشارها إلى جمهور منتظم يمثل أصلًا تجاريًا قابلاً للاستثمار. لكن الصفقة التالية كشفت أن هذه السوق باتت تجذب شركات تتجاوز حدود الإعلام الرياضي. ففي 13 أغسطس/آب 2026، أعلنت "ديزني بلس" اتفاقًا لمدة عام مع "ذي أوفرلاب"، يشمل رعاية برنامج "ستيك تو فوتبول"، وإطلاق برنامج "ستيك تو يونايتد مع واين روني"، الذي جمع الهداف التاريخي لمانشستر يونايتد، صاحب الـ253 هدفًا، بغولدبريدج الذي بنى شهرته من متابعة الفريق وانتقاد أدائه. وبعدما كان روني يسجل الأهداف داخل الملعب وغولدبريدج يتابعها كمشجع، أصبح الاثنان يقدمان برنامجًا مشتركًا ضمن اتفاق يشمل إنتاج 50 حلقة عن يونايتد و40 حلقة من "ستيك تو فوتبول"، إلى جانب محتوى حصري للمشتركين، مع استمرار نشر البرامج على يوتيوب والمنصات الأخرى.

ولم تكشف الشركتان قيمة الاتفاق، لكن صحيفة "الغارديان" أفادت بأنها بلغت عدة ملايين من الجنيهات الإسترلينية. والمفارقة أن ديزني لم تشتر حقوق بث مباريات يونايتد، وإنما استثمرت في البرامج التي تناقش نتائجه وتعاقداته ومدربيه، وتعيد توزيع أبرز تصريحاتها في مقاطع قصيرة، مستفيدة من جمهور يتابع النادي طوال الموسم. انتقل النموذج الذي بدأ بكاميرا روبي لايل خارج ملعب آرسنال إلى شركات تستحوذ على قنوات المشجعين وتبرم صفقات مع منصات عالمية. لكن نجاح هذه الصناعة خلال سنوات إخفاق مانشستر يونايتد يطرح مفارقة، إذ إن بعض أشهر برامجها بنت جزءًا من شعبيتها على غضب الجماهير، بينما يؤكد مقدموها أنهم يتمنون عودة النادي إلى الانتصارات.

ماذا لو عاد مانشستر يونايتد منتصرًا؟ تساءلت مجلة "فور فور تو" عما إذا كان استمرار الضغوط الإعلامية حول مانشستر يونايتد يساهم في تعقيد محاولاته لاستعادة النجاح، بعدما أصبحت كل نتيجة مخيبة مناسبة لإطلاق موجة جديدة من الانتقادات والمطالبات بإقالة المدربين أو تغيير اللاعبين. وترى المجلة أن النجوم السابقين يملكون خبرة تمنح آراءهم قيمة فنية، لكن المنافسة على جذب المشاهدات قد تشجع على إبراز التصريحات الأكثر حدة، حتى عندما تكون المشكلات التي تواجه الفريق قابلة لنقاش أكثر هدوءًا. غير أن نجاح القنوات تجاريًا خلال سنوات التراجع لا يثبت أن أصحابها يريدون استمرار خسارة النادي، كما لا يعني أن الانتصارات والألقاب أقل قدرة على جذب الجمهور في جميع الحالات. وقد واجه روبي لايل اتهامات مشابهة بشأن استفادة قناته من هزائم آرسنال، لكنه رفضها في مقابلات سابقة، مؤكدًا أنه يريد رؤية فريقه منتصرًا، وأن بعض أكثر المقاطع انتشارًا في تاريخ القناة ارتبطت أيضًا بلحظات النجاح.

ولا توجد كذلك أدلة علمية تثبت أن الانتقادات الإعلامية كانت سببًا مباشرًا في تراجع مانشستر يونايتد، وإن كانت قد ساهمت في توسيع النقاش الجماهيري بشأن مشكلاته وزيادة الضغوط العلنية على مسؤوليه. لكن استمرار الإخفاقات وفر للبرامج المتخصصة في أخبار النادي موضوعات متكررة، وساعد بعضها على بناء جمهور كبير، ثم على جذب الشركات التي رأت في هذا الجمهور فرصة تجارية. واين روني قائد مانشستر يونايتد السابق والمحلل التلفزيوني حاليًا (غيتي)

ولعل ما حدث في ديترويت يقدم نهاية مختلفة للقصة التي بدأت قبل 13 عامًا. ففي يونيو/حزيران 2024، أعيد افتتاح محطة ميشيغان المركزية للقطارات، التي ظلت مهجورة منذ عام 1988 وأصبحت خلال سنوات انهيار المدينة إحدى أبرز الوجهات التي يقصدها المصورون والسياح. وقد أعادت شركة فورد ترميم المبنى التاريخي بعدما اشترته عام 2018، وحولته إلى جزء من مشروع لتطوير المنطقة المحيطة به. وبعدما كان الزوار يتسللون إلى المحطة المهجورة لتصوير آثار التدهور، أصبحوا قادرين على دخولها من أبوابها لمشاهدة المبنى الذي استعاد رونقه، في تحول أتاح للمدينة تقديم قصة أخرى غير قصة انهيارها. أما مانشستر يونايتد، فلا يزال يبحث عن طريق العودة إلى المنافسة على الألقاب، بينما تستمر البرامج الإعلامية التي نشأت حول أخباره في إنتاج حلقاتها وجذب المشاهدين. وقد يكون عودة الفريق إلى الانتصارات فرصة لهذه القنوات لتقديم قصص جديدة عن النجاح، لكن ذلك سيضعها أمام اختبار لم تواجهه بصورة منتظمة منذ سنوات، وهو مدى قدرتها على الاحتفاظ بجمهور اعتاد متابعة الانتقادات ومقاطع الغضب عندما يصبح لدى المشجعين ما يحتفلون به أكثر مما يغضبون منه. وبينما سيواصل مارتينيز وزملاؤه البحث عن انتصار يخفف الضغوط التي تحيط بالفريق، سيواصل نيفيل وكين وروني وغولدبريدج تقديم برامجهم، سواء كان موضوعها هزيمة جديدة أو بداية عودة ينتظرها جمهور أولد ترافورد منذ أكثر من عقد. المصدر: الصحافة الأجنبية

شارك الخبر: