عبد الكريم حامدي: محافظ سابق يكشف أسرار السلطة وذكرياته في "ابن الفحم"


هذا الخبر بعنوان "المغرب: المحافظ السابق عبد الكريم حامدي يكسر صمت رجال السلطة ويروي "مسار إنسان" في "ابن الفحم"" نشر أولاً على موقع فرانس 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 31 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة غير مسبوقة في المشهد الثقافي المغربي، أصدر المحافظ السابق (عامل إقليم) عبد الكريم حامدي سيرته الذاتية بعنوان "ابن الفحم... من ابن عامل منجم إلى عامل عمالة". يمثل هذا الإصدار سابقة نادرة، حيث قلما يتحدث المسؤولون الحكوميون السابقون عن تجاربهم الإنسانية والمهنية للجمهور. يستعرض حامدي بوضوح "مسار إنسان" غني بالدروس، مستعيداً شغفه الأول بالكتابة قبل دخوله عالم السلطة، ليعود إليه بشغف متجدد، مؤكداً أنه "بصدق ما اختار قوله".
إن استحضار جزء مهم من العمر في عمل أدبي، خاصة لرجل سلطة في المغرب، لم يكن من عادات هذه الفئة من كبار الموظفين. لكن العامل السابق عبد الكريم حامدي كسر هذا الصمت، واختار "استرجاع ذكريات شخصية من خلال ذاكرة جماعية" عاشها في مدينة جرادة المنجمية شرق المملكة. يقول حامدي عن تجربته الأولى في الكتابة، التي كانت عشقه الأول قبل الانخراط في العمل الحكومي: "أنا لا أقدم نفسي كاتبا محترفا أو أديبا متخصصا، وإنما كشاهد على زمن ومدينة، يحاول أن يؤدي واجبه تجاه الذاكرة قبل أن يطويها النسيان." كما تضمنت سيرته الذاتية "ذاكرته المهنية في تدبير الشأن المحلي من مواقع مختلفة".
يرى حامدي أن الكتابة عن التجربة المهنية من خلال السيرة الذاتية "تقتضي نوعا من التوازن الدقيق: إذا تجاوزت الجرأة حدودها، قد تتحول إلى كشف لا ضرورة له، أو إلى نوع من الابتذال الذي يتعارض مع واجب التحفظ المهني واحترام الخصوصية الشخصية، وإذا نقصت الجرأة أكثر مما ينبغي، أصبحت السيرة باهتة، تفتقد إلى الصدق ولا تعبر حقيقة عن الواقع الذي عشته." بهذا المنطق، خاض حامدي تجربته الأولى في الكتابة كرجل سلطة سابق متقاعد، مؤكداً: "فالسيرة الذاتية، كما أفهمها، ليست أن تقول كل شيء، وإنما أن تقول بصدق ما اخترت أن تقوله"، مشيراً إلى أنه لم يرد كتابة مذكرات رجل سلطة "بالمعنى المهني التقليدي، بل أردت أن أحكي مسار إنسان..."
السلطة والكتابة: هل يجتمعان؟
يجيب حامدي بأن "نظريا ليس هناك تعارض" بين السلطة والكتابة، لكن "عمليا كانت هناك إكراهات المهنة". فالكتابة تتطلب التركيز، وهو ما يتعارض مع عمل رجل السلطة الذي يستحوذ على جزء كبير من وقته ويجعله في احتكاك دائم بقضايا الناس ومشاكلهم، بالإضافة إلى أن طبيعة المسؤولية تفرض قدراً كبيراً من التحفظ. في المقابل، تحتاج الكتابة إلى مسافة وهدوء وحرية في استعادة الأحداث والتأمل فيها.
لم يكن الطريق أمام حامدي مفروشاً بالورود في تسلق سلم السلطة، حيث شغل مناصب قائد منطقة ثم باشا، قبل أن يعينه الملك محمد السادس عاملاً على أحد أقاليم المملكة. ويعبر عن هذا المسار بالقول: "ولدت وفي فمي ملعقة من فحم".
جرادة: منجم للقيم الإنسانية
نشأ حامدي في أسرة فقيرة بمدينة جرادة المنجمية، التي عانى فيها عمال المناجم من مرض السيليكوز الفتاك. شهدت المدينة أحداثاً مؤلمة، بما في ذلك مقتل عمال تحت الأرض، قبل أن يُغلق المنجم أبوابه في 2001، مما أدى إلى تسريح آلاف العمال وتحول المدينة إلى منطقة منكوبة. يصف حامدي الفحم الحجري بأنه "لم يكن مجرد مادة معدنية، بل جزء من طفولتي ومن تاريخ أسرتي ومدينتي". ويضيف أن تلك البيئة "علمتني قيمة العمل، والقناعة، والصبر، والاعتماد على النفس. ورأيت في والدي رجلاً بسيطاً راضياً بالقليل، يعمل من أجل أسرته بكرامة. فمدينة جرادة لم تكن منجماً لإنتاج الفحم فقط، بل كانت منجماً لإنتاج القيم الإنسانية." يعتز حامدي بنجاحاته رغم الظروف القاسية، مؤكداً أن "مهما كانت المسؤوليات التي تقلدتها، بقيت ابن ذلك العامل البسيط، وبقي الفحم جزءاً من هويتي وذاكرتي، فعنوان الكتاب هو اعتراف بمكانة أبي قبل أن يكون افتخاراً بما وصلت إليه."
البعد عن المركز لا يعني البعد عن الوطن
انطلقت الحياة المهنية لحامدي من مدينة بوعرفة النائية، ورغم أنه لم يكن الاختيار الأقرب إلى قلبه في البداية، إلا أن الإقامة فيها غيرت نظرته. اكتشف أن الفوارق المجالية ليست مجرد أرقام، بل واقع يعيشه المواطن في التعليم والصحة وفرص العمل. يدرك حامدي، كرجل سلطة، أن التنمية تبدأ من هذه المناطق، مستشهداً بتوصيات الملك محمد السادس بعدم الرغبة في "مغرب بسرعتين". ويرى أن التنمية الحقيقية لا تقاس بما تحققه المناطق الأكثر حظاً، بل بقدرتها على الوصول إلى المواطن وتقليص الفوارق. يعتقد أن "المغرب المنسي" يتوفر على طاقات كبيرة ويحتاج إلى الإنصاف المجالي والاستثمار والبنيات الأساسية. كانت تجربة العمل في بوعرفة "مدرسة" علمته أن "البعد عن المركز لا يعني البعد عن الوطن، وأن المواطن، أينما كان، من حقه أن يشعر بأنه يحظى بنفس الاهتمام ونفس فرص التنمية".
خدمة المواطن: الغاية الأسمى
يتناول حامدي في سيرته أدوار رجل السلطة وعلاقته بالمنتخبين، مشيراً إلى أن رجل السلطة غالباً ما يجد نفسه مدفوعاً لسد الفراغ الذي قد يتركه المنتخبون. رغم وضوح اختصاصات المجالس المنتخبة، قد تكشف الممارسة عن تفاوت بين الاختصاص القانوني والقدرة الفعلية على ممارسته. أمام مشاكل المواطن، فهو لا يسأل عن صاحب الاختصاص، بل يريد حلاً. هنا، قد يتدخل رجل السلطة للتنسيق والدفع نحو الحل. يرى حامدي أن المسألة لا تختزل في تأهيل المنتخبين أو التشريع وحده، بل تشمل التكوين والإمكانات والموارد والحكامة ووضوح المسؤوليات والتنسيق بين مختلف المتدخلين. الهدف هو أن تقوم كل مؤسسة بدورها وأن تتكامل المؤسسات في خدمة المواطن.
القانون وحده لا يصنع الثقة
يركز حامدي في سيرته على قيم الصدق والحوار والعدل كأسلحة لرجل السلطة. لكنه يرى أنها كانت غائبة لدى بعض المسؤولين. يقول: "رجل السلطة يتعامل أحيانا مع مصالح متعارضة، ونزاعات ومواقف متوترة. وقد تكون لديه سلطة القانون، لكن القانون وحده لا يصنع الثقة". يضيف أنه عندما يشعر المواطن بالاستماع إليه، وعدم التمييز بينه وبين غيره، وأن الكلمة المعطاة لها قيمة، فإن جزءاً كبيراً من الطريق نحو الحل يتحقق. الكفاءة القانونية والإدارية ضروريتان، لكن القدرة على التواصل والحضور الميداني مفتاح النجاح. يشدد على أن قيمة أساسية لا تتغير هي أن يشعر المواطن أنه أمام مسؤول يحترمه ويستمع إليه ويطبق القانون عليه وعلى غيره بالقدر نفسه. يكتب حامدي أن احتجاج الناس "لا يكون دائما بفعل مشكلة في حد ذاتها، بل إنهم يشعرون أحيانا أنه لا أحد يسمعهم، وعندما يجدون من يصغي لهم، يتحول الغضب لحوار، والحوار إلى تفاهم".
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة